عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

177

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

فعزم إلى الآستانة « 1 » ؛ ليستنجد بالخليفة العثمانيّ على الكساديّ بالمكلّا وعلى القعيطيّ بالشّحر ، فسافر إلى عدن ، ثمّ خرج إلى لحج ، وبها فاجأته المنيّة « 2 » ، وعاد كثير من أعقابه إلى الشّحر ، ولا يزال بها ناس منهم إلى اليوم « 3 » . أمّا غالب بن محسن : فلو قنع بالشّحر كما أشار عليه المخلصون . . لأوشك أن تطول بها مدّته ، لكنّه طمع في أخذ المكلّا من الكساديّ ، فانكسر دونها . وفي آخر ذي الحجّة من نفس السّنة الّتي أخذ فيها الشّحر - أعني سنة ( 1283 ه ) - : جهز القعيطيّ بمساعدة الكساديّ على الشّحر ، وافتتحها بأسرع وقت ، وتفرّق عسكر السّلطان غالب شذر مذر « 4 » ، بعدها أخذت السّيوف منهم كلّ مأخذ ولولا أنّ أحد عبيده - وهو صنقور سليمان ، وكان من أهل القوّة والأيد « 5 » - احتمله على ظهره . . لذهب مع شفرات يافع ، فما نجا إلّا بجريعة الذّقن « 6 » وخيط الرّقبة . وفي رجب من سنة ( 1284 ه ) : استأنف السّلطان غالب بن محسن التّجهيز على الشّحر ؛ إذ بقي قلبه بحسرة عليها ، ودخل أكثر جيشه من كوّة فتحوها في سور البلد ، فانحصروا وانقطع عليهم خطّ الرّجعة ، وأصلتهم يافع ومن لفّهم من عسكر القعيطيّ نارا حامية ، فأثخنوا فيهم قتلا ، وخرج الباقون لا يلوي آخرهم على أوّلهم « 7 » .

--> ( 1 ) الآستانة : هي القسطنطينيّة ، وهي استانبول . ( 2 ) توفّي بعد صلاة الجمعة ، ودفن صباح السّبت ( 21 ) ربيع الأوّل سنة ( 1293 ه ) . ( 3 ) وهم المعروفون بآل بن بريك . ( 4 ) شذر مذر : أي مذاهب مختلفة ، ولا يقال ذلك في الإقبال . ( 5 ) الأيد : القوّة ، وهذا من عطف المترادفات على بعضها . ( 6 ) جريعة الذّقن : يقال في المثل العربي : أفلت فلان جريعة الذّقن ؛ أي : أفلت قاذفا جريعة ، وهو كناية عمّا بقي من روحه ، يريد أنّ نفسه صارت في فيه ، وقريبا منه كقرب الجرعة - وهي جرعة الماء - من الذّقن . ( 7 ) كانت خسائر جيش غالب بن محسن : ( 120 ) قتيلا و ( 60 ) جريحا و ( 20 ) أسيرا ، وعاد غالب بن محسن بعد هزيمته إلى سيئون ، وجرت له وقائع أخرى ، حتّى مات سنة ( 1287 ه ) ، وسيأتي ذكره لاحقا في سيئون .